جميعنا يعلم أن للنفس البشرية حدودًا في الصبر على الأذى، وتختلف هذه الحدود من شخص لآخر؛ فإما أن يرد الإنسان الأذى بأذى وهو الخيار الأسهل للبعض، وإما أن يختار الخيار الأصعب ولكنه الأحب إلى الله، وهو الذي يهذب النفس البشرية ويجعلها في منأى عن رد الإساءة بمثلها، ألا وهو العفو والصفح، وقد قال تعالى: "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ" [١]، وقال أيضًا: "فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" [٢]، وإن اللافت للنظر أن هذه الآيات ذكرت العفو والصفح وهذا يعني أنهما شيئان مختلفان، ولإيضاح الفرق بينهما سنبين أبرز وجوه الشبه والاختلاف في هذا المقال.


العفو

إن التعريف في اللغة والاصطلاح أول ما يجب البدء به للتفريق بين شيئين، لذلك سنوضح فيما يأتي تعريف العفو في اللغة والاصطلاح:


العفو لغةً

هو مصدر الفعل عَفَا يعْفُو عفْوًا، فهو عافٍ وعَفُوّ، ويعني التجاوز عن الخطأ دون عقاب، وهو يحمل معنى الطمس والمسح، أي مسح الخطأ والذنب وكأنه لم يكن. [٣]


العفو اصطلاحًا

يقول الله في كتابه الكريم: "وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [٤]، إذن فالعفو مختلفٌ عن الصفح؛ فالعفو هو أن تترك المؤاخذة بالذنب تجاه من أساء لك مع بقاء أثر الإساءة في نفسك. [٥]


وتجدر الإشارة إلى أن العفو يكون بين العبد وربّه وبين العباد أنفسهم، ومن الأدعية الواردة في العفو بين الله والعبد: "اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ العفوَ والعافيةَ، في الدُّنيا والآخرةِ، اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ العفوَ والعافيةَ، في دِيني ودُنيايَ، وأهلي ومالي، اللَّهمَّ استُرْ عَوراتي، وآمِنْ رَوعاتِي، اللَّهمَّ احفَظْني من بينِ يديَّ، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فَوقِي، وأعوذُ بعظمتِكَ أن أُغْتَالَ مِن تحتي" [٦]، والعفو أمر رباني، ويظهر ذلك في قوله تعالى: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ" [٧]، كما أن العفو جاء في أمر نبوي أيضًا، وذلك بالحديث الذي رواه عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فقَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي: "يَا عُقْبَة بْنَ عَامِرٍ؛ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ". [٨]


الصفح

الصفح هو ترك العتاب والعقاب على الذنب، وترك اللوم عليه، وهو مأخوذ من صفحة الوجه، أي كأنه أعرض بوجهه منصرفًا عن ذنبه غير ملتفت إليه [٩]، وقد ورد الصفح في قوله تعالى: "فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ" [١٠]، ومعنى الصفح الجميل هو الصفح الذي لا أذية فيه ولا عقاب، بل هو مقابلة الإساءة بالإحسان، والذنب بالغفران، لننال رضا الله تعالى والثواب منه، وفيما يأتي تفصيل لمعنى الصفح الجميل:


1. صفح بلا أذى

ومثال ذلك أنه في حال معاداة شخص لك أو خطئه في شخصك وهو لا يعرفك معرفة جيدة وعميقة، فإنك تصفح عنه وتتجاوز عن إساءته لك فالصفح هنا أفضل؛ لأنك ربما لن تلتقيه مرة أخرى أو تراه، كشخص زاحمك في الطريق أو ما شابه، لذا فإن الصفح هو الخيار الأسهل لنفسك في هذه الحالة، فلا تعاتبه أو تنهره بطريقة مؤذية. [١١]


2. صفح في لين وصفح في شدة

فكل صفح يجب أن يكون في مكانه، فالصفح باللين يكون عن تجاوز الخطأ عن المخطئ، وذلك من الصفح الجميل، أما الصفح بالشدة يكون بإيقاع العقوبة بالمسيء متى ما تحتم عدم التجاوز والتغاضي، وذلك أيضًا من الصفح الجميل، وهو أن يكون الصفح في محله سواء أكان في لين أم شدة. [١٢]


المراجع

  1. سورة الحجر، آية:85
  2. سورة المائدة، آية:13
  3. "العفو والصفح"، طريق الاسلام. بتصرّف.
  4. سورة النور، آية:22
  5. "الفرق بين العفو والصفح"، اسلام ويب. بتصرّف.
  6. رواه الألباني، في صحيح الترغيب، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:659.
  7. سورة الاعراف، آية:199
  8. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن عقبة بن عامر، الصفحة أو الرقم:17452، إسناده حسن.
  9. "الفروق الدلالية في معاني: العفو والصفح والمغفرة"، اسلاميات. بتصرّف.
  10. سورة الحجر، آية:85
  11. "بصمات دعوية ..بصمات تربوية"، صيد الفوائد. بتصرّف.
  12. "بصمات دعوية..بصمات تربوية"، صيد الفوائد. بتصرّف.