تميزت الحضارة الإسلامية بخصائص تتناسب مع طبيعة الإنسان وفطرته، وهذا باعتبار أن الإنسان هو مخلوق ميزه الله سبحانه وتعالى عن سائر المخلوقات، فالطابع الخيري يعد الركن الأساسي فيه، ومن الجدير بالذكر أن المجتمعات الإسلامية القديمة لم تخلُ من هذه الصفة، إذ إن الإسلام فتح أبوابًا كثيرة لينتفع الغير منها، ومن تلك الأبواب ما هو واجب كالزكاة وكفارة اليمين، ومنها ما يعد من باب التبرع كالصدقات والوقف الذي هو موضوع مقالنا، وهذه الأمور كلها من باب الرحمة والتعاون في المجتمع، فالمسلم عندما يتنازل عن شيء من ماله هذا يعني أنه ابتعد عن صفة الأنانية، وفي مقالنا هذا سنتعرف على آثار الوقف التي تنعكس على الأفراد والمجتمع.


الوقف في اللغة كلمة مفردة، وهي عند الفقهاء حبس العين على ملك الله تعالى، أما الوقف في الاصطلاح فهو التصرف الذي يوجب تنازل الواقف (المالك) عن جزء من ماله أو ماله كاملًا أو منفعة ماله؛ طاعة لله سبحانه وتعالى وتقربًا منه في سبيل نفع المجتمع كاملًا أو فئة من المجتمع.[١][٢]


آثار الوقف في التنمية الاقتصادية

أسهم الوقف في دعم التجارة الداخلية والخارجية، ومن المعروف أن كلًّا من التجارة الداخلية والخارجية لها دور في عملية النمو الاقتصادي، ويكون هذا من خلال زيادة عملية التداول، ما يؤثر على زيادة العملية الإنتاجية من سلع وخدمات من أجل تحقيق التوازن بين العرض والطلب، وبذلك فإن الوقف قد ساهم في دعم العملية الاقتصادية بعدة صور تختلف باختلاف المشروع الذي يدعمه هذا الوقف.[٣]


آثار الوقف في نشر العلم والثقافة

لقد كان للأوقاف دور كبير في مجال التعليم والعلم، ومن أهم الصور الوقفية التاريخية في التنمية الثقافية ما له علاقة بمجال التعليم وبناء المدارس، فقد اتفق الفقهاء على جواز الوقف في مجال التعليم، وعلى طلاب العلم العلماء، وقد ساهمت الأوقاف في بناء المدارس والمراكز التعليمية والعلمية، كما سمحت ببناء المكتبات في جميع نواحي البلاد الإسلامية، وقد بقيت تلك المكتبات على مر العصور، ومن الضروري أن نشير إلى أن الدراسات الحديثة التي تكلمت عن الحضارة الإسلامية والحياة التعليمية أكدت على أثر الوقف في الجانب الثقافي، إذ إن أموال الوقف أسهمت في تنمية الجانب التعليمي بنسبة كبيرة، وطورت الحركة التعليمية في الحضارة الإسلامية، وقد تمثلت صور إسهام الوقف في المجال التعليمي والثقافي بمحاربة الأمية، والبحث عن أماكن تعليمية مجهزة، ودفع رواتب المعلمين، ومساعدة الطلبة المغتربين، وبناء الكتاتيب القرآنية، وغيرها من الإسهامات الأخرى.[٤]


آثار الوقف الاجتماعية

تظهر أهمية الوقف في المجال الاجتماعي من خلال مساهمته في الأعمال الخيرية التي تتعلق بالطابع الإنساني، وهي تعد من ضمن الأعمال الصالحة التي تعود بالنفع على أفراد المجتمع عامة، كما أنها تؤثر على بناء الحضارة الإسلامية ضمن أسس ومبادئ الشريعة الإسلامية، ومن الضروري أن نشير إلى أن الوقف على المجالات الاجتماعية يحقق مبدأ الجسد الواحد في الشريعة الإسلامية؛ وهو الذي يقوم على مساندة القوي للضعيف في مختلف المجالات وعلى كافة الأصعدة.[٤]


آثار الوقف في الرعاية الصحية

كان للوقف الإسلامي دور كبير ومهم في جانب الرعاية الصحية للمسلمين من الناحية الجسدية والعقلية، فقد كان بعض أغنياء المسلمين يقفون جزءًا من أموالهم لصالح إنشاء المستشفيات، والكليات التعليمية الطبية، ومن أجل تطوير الطب والصيدليات وأيّ علوم أخرى لها علاقة بالجانب الطبي، كما أن هذا الوقف وفر الدعم الكبير لمن يؤلف الكتب الطبية والتي لها علاقة بمجال الطب، وقد ساهم الوقف الطبي أيضًا في بناء دور تهتم بمعالجة المرضى الذي يعانون من الأمراض العقلية والنفسية والعصبية، كما سمح ببناء المراكز الصحية في جميع الأحياء، وساهم في تزويد هذه المراكز بكامل المعدات والأدوات، بما يضمن عمل تلك المراكز بشكل جيد يسد حاجة المرضى.[٤]


آثار الوقف في تنمية الحياة الدينية

إن تنمية الحياة الدينية تعد من أكثر أهداف الأوقاف أهمية، وعليه فإن آثار الوقف على الحياة الدينية كثيرة وكبيرة؛ وذلك لأن الوقف الديني يساعد في الحفاظ على مكانة الحضارة الإسلامية، ويوفر طرقًا متنوعة للدعوة إلى الإسلام، إذ إن نظام الوقف منذ بدايته ارتبط بدور العبادة؛ لأنها كانت أساس التعليم والتربية، وأساس بناء السلوك الصحيح والراقي والحضاري للفرد للجماعة، كما أنها أساس تعميق الشعور بوحدة الأمة والانتماء لها، لذلك فإن تخصيص الأوقاف على دور العبادة وغيرها من الأوقاف الدينية أثر تأثيرًا كبيرًا على الحياة الدينية بما يضمن توسعها وتطورها وزيادة انتشارها، كما أنه ساعد في توفير حياة دينية أفضل؛ فمن كان لا يجد مسجدًا يصلي فيه صارت صلاته في المسجد سهلة.[٤]


المراجع

  1. عبد الجبار السبهاني، الوجيز في اقتصاديات الزكاة والوقف، صفحة 135. بتصرّف.
  2. "تعريف و معنى الوقف في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، المعاني.
  3. عبد اللطيف بن عبد الله العبد اللطيف، أثر الوقف في التنمية الاقتصادية، صفحة 119-120. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث " الوقف وأثره في تحقيق التنمية الاجتماعية"، الألوكة. بتصرّف.